عبد الملك الجويني

112

الشامل في أصول الدين

ومما يوضح ما قلناه : إن حقيقة الإلهية لو كانت قدما ، لأعتقد الإلهية من اعتقد القدم . فإن العالم بحقيقة الشيء عالم به ، إذ يستحيل أن يعلم حقيقة الوجود من لم يعلم الوجود ، وحقيقة الجوهر من لم يعلم الجوهر . ونحن نعلم أن الدهرية يعتقدون قدم جواهر العالم ، ولا يعتقدون أنها آلهة . فإن قالوا : الآلهة عندكم لا ترجع إلى الاختراع والاقتدار عليه ، وقد نرى طائفة من عبدة الأصنام يعتقدون إلهيتها بأنها لا تصنع ، ولا تبصر ، ولا تسمع ولا تغني عن عبدتها شيئا . قلنا : هذا خروج منكم عن حد النظر ، فإنا لم نبد لكم معتقدا في حقيقة الإلهية ، فهذا خوض منكم فيما لا يغنيكم . على أنكم زالون فيه ، وذلك أن عبدة الأصنام يعتقدون أنها تضر وتنفع ، ويتقربون إليها بالقرابين « 1 » ، ويبتهلون إليها فيما يسنح لهم من الحاجات ، ويعن لهم من المهمات ، ومن ذلك عبدوها . وفيهم شرذمة اتخذت الأصنام على قبور الأنبياء متيمنين بها ، متخذين إياها كالمحراب « 2 » المعظم والمساجد ، وهؤلاء لا يزعمون أنها آلهة ، فاندفع ما عارضونا به . ومن الدليل على ما قلناه : إن القدم لو كان أخص أوصاف الإله ، وجب على طرد أصلكم : أن القديم يخالف الحادث بوصف القدم . ثم إذا قلتم ذلك لا تخلون : إما أن تزعموا أن القديم يخالف الحادث ، والحادث لا يخالف القديم . فإن قلتم ذلك خرجتم عن ضرورة العقل . فإنا نعلم بديهة أن ما خالف شيئا ، خالفه ذلك الشيء ، كما نعلم أن ما ضاد شيئا ضاده ذلك الشيء ، ويطرد ذلك في كل وصف لا يتعلق إلا بشيئين كالتغاير والتماثل ، والاختلاف والتضاد . وإن اعترفوا بأن الحادث يخالف القديم ولا بد من الاعتراف بذلك ، قيل لهم : ينبغي أن يخالف الحادث القديم بحدوثه ، كما يخالف القديم الحادث بقدمه . ثم إذا صرحوا بذلك ، لزم أن يكون الحدوث أخص وصف الحادث ، كما أن القدم أخص وصف القديم . ثم يلزمهم من طرد ذلك أن يتماثل كل حادثين مجتمعين في وصف الحدوث من حيث اشتركا في الأخص ، وهذا لا مخلص منه . فإذا جاز حوادث مختلفة لاختلاف خواصها ، فما المانع من ثبوت قدماء في حكم المختلف من حيث اختلف خواصها ؟ فإن قالوا : الجوهر الحادث إنما يخالف القديم بكونه جوهرا لا بحدوثه ، كان ذلك باطلا من أوجه : أحدها : أنه إذا جاز مخالفة الجوهر العرض ، للاختلاف في الأخص مع

--> ( 1 ) القرابين : ( ج ) قربان : ما يتقرب به إلى اللّه من ذبيحة وغيرها . ( 2 ) المحراب : مقام الإمام في المسجد .